ابن كثير
434
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 90 ] ، فقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أما الخمر ، فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أنه كل ما خامر العقل ، كما سيأتي بيانه في سورة المائدة ، وكذا الميسر وهو القمار . وقوله قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها ، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته : [ الوافر ] ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا لا ينهنهنا اللقاء « 1 » وكذا بيعها والانتفاع بثمنها ، وما كان يقمشه « 2 » بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله ، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة ، لتعلقها بالعقل والدين ، ولهذا قال اللّه تعالى : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات ، ولم تكن مصرحة بل معرضة ، ولهذا قال عمر رضي اللّه عنه لما قرئت عليه : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 90 - 91 ] ويأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء اللّه تعالى وبه الثقة ، قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن هذه أول آية نزلت في الخمر يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر . قوله وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبان ، حدثنا يحيى ، أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالا : يا رسول اللّه ، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا فأنزل اللّه وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ وقال الحكم عن مقسم عن ابن عباس وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال : ما يفضل عن أهلك ، كذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس وغير واحد ، أنهم قالوا في قوله قُلِ الْعَفْوَ يعني الفضل ، وعن طاوس : اليسير من كل شيء . وعن الربيع أيضا : أفضل مالك وأطيبه والكل يرجع إلى الفضل . وقال عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا هوذة بن خليفة ، عن عوف ، عن الحسن ، في الآية يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
--> ( 1 ) البيت لحسان في ديوانه ص 4 ؛ والكامل 1 / 74 ؛ والطبري 2 / 372 . ( 2 ) أي يجمعه من هاهنا وهاهنا .